المامقاني
230
غاية الآمال ( ط . ق )
فإنه لازم مساو للبيع عنده كما تقدم منه ( رحمه الله ) من كون الهبة بالعوض والصّلح ليسا من قبيل التمليك حقيقة وسيجئ منه أيضا عند البحث عن لفظ ملكت إنكار استعمال التمليك في الهبة ودعوى انها انما تفهم من تجريد اللَّفظ عن العوض لا من مادة التمليك ولا يتوهم انه على هذا الاحتمال يلزم التناقض في كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) لأنه ذكر ان المطرد في الكنايات هو اللَّازم الأعم فكيف يقول لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية لأن ما ذكره ( رحمه الله ) من اطراد اللازم الأعم انما هو في الكنايات الواقعية وما نفى ( رحمه الله ) جريان هذا الوجه فيها انما هو ما ذكره الأصحاب من أمثلة الكناية وليس كل ما ذكروه منها مندرجا تحتها على الواقع الذي اعتقاده طريق إليه ولهذا يقولون يكون ملكتك بكذا من الكنايات ويقول هو بانعقاد البيع به لكونه صريحا فيه هذا ولا يخفى انه على هذا التفسير يمكن أن يكون قوله هذا الوجه إشارة إلى نفس وجه الجمع الذي قصد تطبيق كلام العلامة ( قدس سره ) عليه ويحتمل أن يكون هو عدم كون جميعها بالمثابة التي ذكرها من انفهام المراد بها من القرائن الخارجيّة فإن منها حرمت كذا وتصدقت بكذا مقرونين بقوله على أن لا يباع ولا يوهب ولا يورث وغير ذلك من القرائن اللفظية الدالة على إرادة الوقف مع عدم الخلاف كما عرفت حكايته من ( المصنف ) ( رحمه الله ) عن غير واحد على انّهما من الكنايات فقد اقترنا بالقرينة اللفظية دون الحالية مع أنهم بنوا على كونهما منها قوله ثم انّه ربما يدعى ان العقود المؤثرة في النقل والانتقال أسباب شرعية توقيفية هذا الكلام يحتمل وجوها أحدها ما هو ( الظاهر ) منه وهو ان يضع ( الشارع ) لكلّ عقد لفظا خاصا والالتزام بهذا ظاهر الفساد ضرورة ثبوت البيع والإجارة والصّلح وغيرها من العقود قبل مبعث النّبي ومولده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتعبير منها بلفظ البيع وبعت والصّلح وصالحت وهكذا بل لا يختصّ شيء منها بالعرب فهي سارية بين سائر أهل الا لسنة غاية ما في الباب انه يعبر عن كل منها بلفظ من لغة أخرى فكيف تكون ألفاظها من موضوعات ( الشارع ) وهي سابقة عليه ثانيها ان ( الشارع ) قد امضى ما هو المتعارف بين عامة أهل التعارف من الألفاظ الخاصة الدائرة بينهم فلا يجوز التخطي إلى ما عدتها وقد التزم به بعضهم بعد ما وجدان دعوى وضع ( الشارع ) لها على وجه الخصوص للمعنى المعهود في غاية السخافة ثالثها ما أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) من أن المراد اعتبار ألفاظ مفيدة لعنوان العقد الخاص وانه إذا كانت العلاقة الحادثة بين الرّجل والمرأة عنوان الزّوجية فلا بد من كون اللَّفظ مفيدا لهذا العنوان فلا يجوز التعبير بهبة النفس أو البضع أو منافعه أو البيع أو الإجارة وكذا الإجارة مثلا لا يجوز التعبير عنها بلفظ العارية لكن يجوز التعبير عنها بلفظ بيع المنفعة أو السّكنى فالحاصل ان كل لفظ مفرد أو مركب دل على العنوان الخاص المعتبر في العقد يجوز التعبير به عنه دون غيره وهو وجيه قوله منها لفظ بعت في الإيجاب ولا خلاف فيه نصّا وفتوى يعنى انه لا خلاف في صحّة إيقاع الإيجاب بلفظ بعت بل اقتصر بعضهم عليه كما هو طاهر ابن إدريس قال في ( السرائر ) إذا قال بعنيه أو أتبيعني هذا بألف أو بعني أو اشتريت منك هذا بألف فقال صاحبه بعتك لم يصحّ العقد والبيع حتى يقول المشترى بعد قول البائع بعتك اشتريت أو قبلت وكذا إذا قال البائع أتشتري منى هذا بألف أو أبيعك هذا بألف أو اشتر هذا مني بألف فقال المشترى اشتريت أو قبلت لم يصحّ البيع ولم ينعقد العقد الا ان يأتي البائع بلفظ الاخبار والإيجاب دون لفظ الاستفهام والأمر وهو قوله بعتك فيقول المشترى اشتريت أو قبلت على ما قدّمناه فينعقد العقد بذلك دون ما سواه من الألفاظ انتهى وانّما قلنا إنه ظاهره لاحتمال أن يكون الحصر في قوله فينعقد العقد بذلك دون ما سواه من الألفاظ إضافيا بأن يكون المراد بما سواه صيغة المضارع أو الاستفهام أو الأمر أو غير ذلك من الصّيغ المأخوذة من البيع لا كل ما سوى بعت حتّى ما كان بصيغة الماضي من غير مادة البيع كشريت وملكتك بكذا فيكون تكريرا لما ذكره قبله وتأكيدا له لكنّه خلاف ( الظاهر ) جدا وعن كشف الرموز عن الشّيخين انه يلزم في البيع لفظ مخصوص أعني بعت وربما يتوهم من ( ظاهر ) حصر الإيجاب في بعت والقبول في اشتريت وقبلت الا ان ( الظاهر ) ان ذلك على وجه المثال لانّ الشيخ ( قدس سره ) ساق الكلام في جواز تقديم القبول على الإيجاب وعدمه وذكر لفظ الإيجاب بلفظ بعت ولم يأت بما يفيد الحصر قال ( رحمه الله ) عقد النّكاح ينعقد بالإيجاب والقبول سواء تقدّم الإيجاب كقوله زوّجتك بنتي فقال قبلت النّكاح أو تأخر الإيجاب كقوله زوّجني بنتك فقال زوّجتك بلا خلاف فأمّا البيع فان تقدم الإيجاب فقال بعتك فقال قبلت صحّ بلا خلاف وان تقدم القبول فقال بعتنيه بألف فقال بعتك صحّ والأقوى عندي انه لا يصحّ حتّى يقول المشترى بعد ذلك اشتريت انتهى فليس ظاهره الا انّه أراد ذكر مثال للإيجاب المتقدّم ومثال للإيجاب المتأخر وأين ذاك من الدلالة على الحصر وذكر بعض المعاصرين انه قد يفهم من الغنية حصر الإيجاب في بعت والقبول في اشتريت وقبلت وعلى ما ذكره فيكون الحصر معقد الإجماع الذي ادعاه فيها ولكن لا يخفى على من له خبرة في أساليب الكلام انه لا دلالة لعبارة الغنية على ما ذكره من الحصر فإنه قال فيها واعتبرنا حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشترى تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشترى والإيجاب من البائع وهو ان يقول بعنيه بألف فيقول بعتك فإنه لا ينعقد بذلك بل لا بد ان يقول المشترى بعد ذلك اشتريت أو قبلت حتّى ينعقد إلى أن قال يدل على ما قلناه الإجماع المشار إليه وأيضا فما اعتبرناه جمع على صحّة العقد به وليس على صحّته بما عداه دليل انتهى ولعله فهم الحصر من الفقرة الأخيرة بتخيل ان قوله فما اعتبرناه إشارة إلى بعتك من البائع واشتريت أو قبلت من المشترى وأنت خبير بان قوله فما اعتبرناه إشارة إلى ما سبق في أوّل الكلام من اعتبار حصول الإيجاب من البائع والقبول من المشترى لا خصوص لفظ بعتك فتدبر قوله وهو وان كان من الأضداد بالنّسبة إلى البيع والشراء لكن كثرة استعماله في وقوع البيع تعينه امّا كونه من الأضداد فقد صرّح به في المصباح ولا بأس بأن نأتي بصريح كلامه لاشتماله على غير ذلك من الفائدة قال باعه يبيعه بيعا ومبيعا فهو بايع وبيع وأباعه بالألف لغة قال ابن القطاع والبيع من الأضداد مثل الشراء ويطلق على كلّ واحد من المتعاقدين أنه بائع لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذّهن باذل السّلعة انتهى وفي المجمع في الحديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا يريد بهما البائع والمشترى فإنه ( يقال ) لكلّ منهما بيع وبايع وقال فيه أيضا وفي الخبر لا يبع أحدكم على بيع أخيه أي لا يشتر على شراء أخيه والنهى انّما وقع على المشترى لا البائع انتهى وصرّح بكونه من الأضداد في شرح القاموس أيضا بل في المصابيح للعلامة الطباطبائي ( قدس سره ) نفى الخلاف من وضعه للمعنيين فتحقّق انّه مشترك